ابن قيم الجوزية

345

الروح

منافسة وغبطة يدل على علو همّة صاحبه وكبر نفسه وطلبها للتشبيه بأهل الفضل » . فصل [ الفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة ] والفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة للدعوة إلى اللّه هو الفرق بين تعظيم أمر اللّه والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح اللّه المعظم له والمحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله للّه وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح اللّه في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى اللّه فهو الإمامة في الدين بل يسأله ربه أن يجعله للمتقين إماما يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى اللّه أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى اللّه يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً « 1 » فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه ما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى اللّه بالإمامة في الدين التي أساء بها الصبر واليقين كما قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ « 2 » وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلا بها ، وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جل جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض وجوده ومنته . وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة .

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 72 . ( 2 ) سورة السجدة ، الآية 24 .